محمد حسين علي الصغير
132
مجاز القرآن خصايصه الفنية وبلاغته العربية
وليس من شأن السماء البكاء ، ولا من طبيعة الأرض أن تكون باكية ، دلالة على إرادة الاستعمال المجازي عقلا ، فالسماء على حقيقتها والبكاء على حقيقته وكذلك الأرض ، ووصف السماء والأرض بأنهما يبكيان ، أو نفي بكائهما كما في الآية ، يقتضي أن هذا الإسناد ألصق في تصور الفجيعة ، وأبلغ في تصوير النازلة ، وذلك حينما أخذ هؤلاء على عجل دون أهبة أو استعداد . ونظير هذا كثير في المجاز العقلي من القرآن . 4 - علاقة المجاز العقلي في القرآن والمراد بعلاقة المجاز العقلي في القرآن هاهنا ، وجه الاستعمال المجازي وسببه الداعي إليه ، والركيزة المقتضية التي يستند إليها هذا المجاز ، ولك أن تتجوز في ذلك فتقول : إنّ العلاقة هنا هي المسوغ الفني ، أو المبرر الاستعمالي لهذه الصيغة المجازية دون الأصل الحقيقي . ولقد توسع علماء البلاغة القدامى والمحدثين - بالتبعية - في إيراد مبررات هذه العلاقة ، وتفننوا بالتقسيمات المضنية ، وتعللوا بالتخريجات المنطقية تارة ، والكلامية أخرى ، والنحوية سواهما ، حتى بلغوا بذلك حدّ الإفراط ، مما ذهب برونق هذه العلاقة المتينة وبهائها ، فبدلا من حصرها ، وتسليط الأضواء على مضمونها ، لجأوا إلى التفصيلات المملة ، والأسماء المخترعة ، فكانت السببية مثلا ، والمسببية ، والزمانية ، والمكانية ، والفاعلية ، والمفعولية ، والمصدرية وأضراب ذلك من نماذج علاقة المجاز العقلي . وكانت : تسمية الكل باسم الجزء الذي لا غنى عنه في الدلالة على ذلك الكل ، وتسمية الجزء باسم الكل ، وتسمية المسبب باسم السبب ، وتسمية السبب باسم المسبب ، وتسمية الشيء باسم ما كان عليه ، وتسميته باسم ما يكون عليه أو يؤول إليه ، وإسناد الفاعلية أو الصفة الثبوتية للزمان ، ووضع النداء موضع التعجب ، وإطلاق الأمر وإرادة الخبر به ، وإضفاء الفعل الحسي على الأمر المعنوي ، والتغليب : بإعطاء الشيء حكم غيره ، وأضراب ذلك من نماذج علاقة المجاز اللغوي المرسل .